يقول الأمين أبو الأمين رحمه الله:”جملة صرنا نسمعها كثيراً من ذوي النظرة الطفولية: ))انتهت الماركسية! انتهت الشيوعية!))، يقولها قائلهم بهدوء وتؤدة وكأنها صادرة عن عمق في التفكير! أو يقولها بإصرار وقوة كأنها صادرة عن بصير منفتحة على الواقع! يقولها وكأنه لا يرى الماركسيين يسيطرون على سورية وعلى العراق وعلى ليبيا وعلى الجزائر وعلى السودان باسم الإسلام وعلى الصومال، وكأنه لا يرى أن النظام الإيراني الذي يسمونه إسلامياً يتحالف مع الماركسية تحالفاً يكاد يكون ربطاً عضوياً. وكأنه لا يرى الماركسيين يسيطرون على الصين وعلى فيتنام، وعلى كل أوروبا ما عدا ألمانيا والنمسا وسويسرا. وعلى المكسيك وكوبا وعدة دول من أميركا الجنوبية. وكأنه لم يقرأ أو يسمح أن الحزب الشيوعي في روسيا هو أقوى الأحزاب. وكأنه لم يسمع تصريح “حسب اللطيف” الشيشاني الذي كان رئيس مجلس السوفيات الأعلى، عندما زار الأردن قبل سنوات وقال: إن استقلال البلاد الإسلامية شكلي.

 

وكأنه لم يسمع أو يقرأ أن الجيوش الروسية التي يقودها ضباط ماركسيون موجودة في كل الدول الإسلامية السوفياتية التي تقول إنها مستقلة، وأن أجهزة المخابرات فيها تدار كلها من موسكو، وأن اليهود يسيطرون على الأحزاب في روسيا، سواء على الحزب الشيوعي الذي ينافس يلتسين وحزبه، أو يلتسين نفسه وحزبه ورئيس وزرائه الجديد.
إن الماركسية لم تنته، كما يظن ذوو النظرة الطفولية؟ وإنما جاءت بثوب جديد قديم شعاره “يجب أن ننبثق من خصوصيات المجتمع” واسمه “البيروسترويكا” التي تعني “الترميم الثاني” أو “إعادة البناء” كما جرت على الألسنة، والمعنى واحد.    
منذ سنة 1919، حتى الثمانينات من القرن نفسه، كانت الماركسية بجميع أسمائها الخداعية ((شيوعية، ناصرية، حزب بعث، اشتراكية، قومية عربية يسارية ..))، كلها تنتهج القواعد التي تبناها المؤتمر الذي انبثقت منه “الأممية الثالثة” ومنها “الطريق الروسي إلى الاشتراكية” الذي نهج له في زمن لينين، وعدل قليلاً جداً في زمن ستالين. وهي طريقة الانقلابات العسكرية التي دمرت الأقطار التي حدثت فيها، وطريقة التهيئة لتلك الانقلابات. ومنها “حرق المراحل” ويعنون بها المراحل الافتراضية التي تخيلوها، أو التي وضعها ماركس لخداع الغافلين، والتي تخيلها كما يلي: ((مرحلة المشاع ـ ثم الرعي، الرق، الإقطاع، الرأسمالية البورجوازية، الثورة الاشتراكية، الشيوعية)). ويعنون بحرق المراحل القفز فوق مرحلة الرأسمالية والبرجوازية والقيام بالثورة الاشتراكية، ومنها الهجوم على التدين والمتدينين بكل الوسائل: بالهزأ والسخرية والإشاعات البذيئة منها وغير البذيئة، وبالقتل والسجن والتشريد والتعذيب عندما يمكنهم ذلك .. إلى آخر القواعد التي يراها القارئ في بروتوكولات حكماء صهيون وفي كتب لينين.
سجَّل الأسلوب الروسي في الانتقال إلى الاشتراكية نجاحات هائلة في المجتمعات المختلفة والمستعمرة (بفتح الميم الثانية) ثم أخذت تتلاشى شيئاً فشيئاً، وكان آخر انقلاب ناجح هو انقلاب ليبيا بقيادة القذافي.       
ثم لم تقف المسالة عند التلاشي فقط، بل صارت تحدث الانقلابات المضادة التي كان أبرز أوائلها ما حدث في إندونيسيا سنة 1965، ثم حدث أصعب شيء على الحلم الصهيوني، وهو القضاء على الماركسية الناصرية في مصر، لكنها الآن بدأت تعود.  
وكان أمل الصهيونية كبيراً في مركسة أفغانستان، حيث كان المخطط هو الانتقال منها إلى السيطرة على باكستان، ثم بمساعدة إيران الخميني احتلال السعودية والكويت، والقطر الصعب من الأقطار الأربعة ((السعودية، والأردن، ولبنان، والكويت))، الداخلة في ما يسمونه “أرض الميعاد” والمستعصية على التمركس.
وإذا فشلت كل هذه المحاولات وافتضحت دجليات الأنظمة الماركسية حتى على كثير من معتنقيها الذين كانوا من المتحمسين لها، إذن، فيجب إعادة النظر في أساليب الدعاية لها.
وقد وضع لينين لهم الأسس التي يجب أن يطبقوها في مثل هذه الحالة، فلنقرأ بعض أقواله:
يقول لينين: ((علينا أن نكون مستعدين لكل لون من ألوان التضحية، وإذا استلزم الأمر فإننا نمارس كل شيء ممكن، فالحيل وفنون المكر وكل الأساليب غير الشرعية، جميعها مباحة، وكذلك السكون وإخفاء الحق، وموجز القول أننا نستخلص الآداب من مصالح حرب الطبقات))