نعود إلى طارق حجي، في كتابه نفسه الشيوعية والأديان، نكمل تحت فصل السياسة الشيوعية والدين، في هذا الفصل حقيقة، يتكلم عن موقف الشيوعيين والشيوعية من الدين في البلدان غير الشيوعية، في الصفحة (38)، في الصفحة (39) قسّم الأمر إلى قسمين أو مرحلتين، المرحلة الأولى كانت من سنة (1917) إلى (1955) موقف الشيوعية والشيوعيين من الدين في البلدان غير الشيوعية، كان يتّسم بالرفض جوهرا ورداءً، ويكمل الشرح في هذه القصة صفحتين، إلى أن يقول، المرحلة الثانية.

من (1955) وللآن، الآن هو سنة تأليف الكتاب، ليس الآن فيما نقول نحن الآن، سنة تأليف الكتاب، لعله مذكور هنا، ليس مذكورا، ولكن قد يظهر لنا بعد قليل، هذه المرحلة مرحلة الرفض جوهرا، ومضمرا، والقبول للدين رياءً، يتحدث في هذه المرحلة حديثا طويلا في عدة صفحات، سنحتاج منه إلى صفحة (47)، حيث يقول، وهذا للأهمية البالغة في هذا الموضوع حقيقة، يقول:

تشويه سمعة الدين والقائمين عليه:

“وقد ذكرنا أن من دعائم المخطط الراهن للشيوعية تجاه الأديان لوجه عام، والإسلام بوجه خاص، التركيز على تشويه سمعة القائمين على الدعوة الدينية والمشتغلين بعلوم الدين والمتبوّئين لمناصب ذات علاقة بالدين، وأهم مثال على ذلك تلك الحملة الدينية التي قادها الكاتب المصري اليساري (ع.أ)، عندما كان يحرر جريدة روز اليوسف، والتي كانت وقتذاك بؤرة من بؤر الشيوعيين في مصر، (ع.أ ممكن تكون إحسان عبد القدوس، وقد عكس الحرفين أو غيره)، وأعني حملته على شيخ الجامع الأزهر، المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود.

فقد استعمل الكاتب الذي اشتهر بعمالته للسوفييت كل عبارات الشيوعية التقليدية في الهجوم على المفكر الديني والقائمين على الدعوة الدينية، واتهم أولئك جميعا بالعمالة للغرب، والانحياز للطبقة المسيطرة، وبالعداء للإصلاح الاجتماعي الذي يكون في معتقده بالاشتراكية؟؟!! الخ، أو إلى آخر تلك العبارات المعروفة، والتي درج الشيوعيين في كل مكان على ترويجها، فجاء عميلهم الأجير، ولطّخ بها صفحات جريدته، مكرراً إياها ببغائية عمياء، للشيوعية المعهودة.

والغرض الحقيقي المبتغى من وراء هذا الهجوم الدؤوب على المشتغلين بالفكر الديني أو بالدعوة الدينية هو، تشويه الدين عن طريق تشويه القائمين على دعوته والمعنيين بأصوله وفكره وعلومه، فبعدما عجز العملاء الحمر عن تشويه الإسلام بافتراءاتهم مباشرة، تحوّلوا إلى تشويه الإسلام عن طريق تشويه المسلمين، ولعلنا لا نتعرف تعرفاً كاملا على حقيقة الموقف الشيوعي الراهن، ظاهرا وباطنا من الدين إلا بمطالعة نصوص تلك الوثيقة الشيوعية الهامة، التي تفضح سرّهم وسريرتهم في هذا الصدد.

وثيقة هامة تفضح حقيقة النوايا الشيوعية تجاه الدين:

منذ حوالي أربعة عشر سنة، أعدت الجهات المعنية في الاتحاد السوفيتي لمحاربة الدين، وثيقة تضمنت توجيهات للشيوعيين في سائر أرجاء العالم، التي لا زال للدين بها قدسيته، ونفوذه وتأثيره على نفوس الشعوب، بالذات في البقاع الإسلامية، وقد تسرّبت تلك الوثيقة إلى أيدٍ غير شيوعية، فتلقفتها وترجمتها ونشرتها، ومنها مجلة “كلمة الحق”، في عددها الصادر في شهر محرّم من سنة (1387) هـ، إبريل (1967) م، والوثيقة التي أحيطت بقدر هائل من السرية في الاتحاد السوفييتي، إلا أنها تسربت رغم ذلك، وثيقة بالغة الخطورة والأهمية، ولا تحتاج لأي تعليق أو شرح، فهي تظهر بنفسها وبوضوح تام، جوانب التكتيك الشيوعي الراهن في التعامل مع الدين والمؤمنين به في وقتنا هذا، ولا سيما في البقاع الإسلامية والمسيحية في العالم الثالث.

مستهل نص الوثيقة:

تقول الوثيقة الهامة إلى أبعد حدود الأهمية، في مستهلها تقول: برغم مرور خمسين سنة تقريبا على الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي، وبرغم الضربات العنيفة التي وجهتها أضخم قوة اشتراكية في العالم إلى الإسلام، فإن الرفاق الذين يراقبون حركة الدين بالاتحاد السوفياتي، صرّحوا كما تذكر مجلة العلم والدين الروسية، في عددها الصادر في أول يناير سنة (1964)، بما نصه، تقول: “إننا نواجه في الاتحاد السوفياتي تحديات داخلية في المناطق الإسلامية، وكأن مبادئ لينين لم تتشربها دماء المسلمين”. انتهى القول.

خطر الإسلام على الشيوعية:

يقول المؤلف، وبرغم القوى اليقظة التي تحارب الدين، فإن الإسلام ما يزال يرسل إشعاعا، وما يزال يتفجر قوة، بدليل أن ملاييناً من الجيل الجديد في المناطق الإسلامية يعتنقون الإسلام ويجاهرون بتعالميه، مع أن قادة الحزب ومفكري المذهب، لا يغيب عنهم خطر يقظة الإسلام في المناطق الإسلامية في الاتحاد السوفياتي الذي أشار في دائرة معارف الثقافة الشيوعية، إلى خطر الإسلام أخطر الأديان الرجعية، ويبذل أي الإسلام، أقصى جهده ليكون في خدمة المستغلين والإقطاعيين (كلمة ساقطة)، ويقدم كل العون للاستغلال.

وهو دينٌ جامد حقودٌ على الحضارة (كلمة ساقطة)، وخصمٌ عنيدٌ للاشتراكية، ويناهض الحركات التحررية، يبدو هذا الكلام للوثيقة.

تعليق الشيخ محمود القاسم:

الاتحاد السوفياتي حارب الإسلام كثيرا، وطبعا صار المسلمون في الاتحاد السوفياتي يجهلون الإسلام جهلا كاملا، ولكن العواطف بقيت إسلامية، وكان تُرسل لهم المصاحف، تُهرّب تهريبا، لا يعرفون قراءة المصحف ولكن للتبرّك، عندهم المصحف أكبر هدية كانت تُهدى لهم، فبالبروسترويكا، تعني الترميم الثاني، اكتشفوا طريقة لضرب الإسلام، بدلا من أن يقوموا هم بضربه، وانتبه بعض المسلمين إلى أن الشيوعية تقتل المسلمين بمئات الملايين، انتبهوا إلى ذلك، فهذا الانتباه يمكن أن ينتشر بين المسلمين، فرأوا أن هناك وسيلة أحسن، لِمَ لا نجعل الصراع بين المسلمين والغرب؟

خطة الشيوعية في تحريض الغرب على الإسلام:

في السبعينات انفتح الغرب على الإسلام انفتاحاً كاملا، كان الدخول في الإسلام يكاد يكون يوميا، وسطيا أكثر من مئة شخص يدخلون في الإسلام، انفتاح كامل، يعني أستطيع أن أقول أن العداء للإسلام انحصر في زاوية مهملة جدا.

عندما جاءت البروسترويكا، صار الشيوعيون هم الذين كانوا يحرضون المسلمين، هؤلاء السلفيين، (أتحدث عن حصتي، ولا علاقة لي بحصتكم)، يأتون للسلفيين، يقولون لهم هؤلاء كفار، كفار، الصليبية، الصليبية… (تكرار)، وبعثوا يسألوني من ألمانيا، أفتى لهم بعض العلماء، منهم هؤلاء العلماء؟ لا نعرف! أنه الآن أنتم مع هؤلاء الكفار، لذلك اسرقوهم، انهبوهم، كله جائز! إذا دخلت إلى السوبر ماركت مثلا، إذا استطعت أن تسرق بدون أن يُقبض عليك، فاسرق وضع في جيبك، هؤلاء كفار ليس لهم (ذمة)[1]، حلال لكم.

أرسلوا يسألوني، قلنا لهم، هداكم الله، أنتم دعاة للإسلام هناك، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا، ولم يبعثه سارقا لصا، بعثه هاديا، وأنتم موجودون هناك دعاة للإسلام، أتريدون أن تدعو للإسلام بالسرقة واللصوصية؟!، هؤلاء طبعا وراءهم حركات ماركسية، جواسيس ماركسيون، و(دعاية) الصليبية الصليبية كفار، وصار مثلا جاء الشيخ سفر الحوالي، أو سلمان العودة، نسيت من هو؟ هدانا الله وإياهم، ألّف كتابا يتحدث فيه عن الخطر الصليبي.

تضخيم خطر التبشير والتهويل به:

ذكر في الخطر الصليبي، الخطير الصليبي، ما هو الخطر الصليبي؟ بنوا مستشفى بالرياض! الخطر الصليبي بنوا مستشفى في مكان آخر لا أعرف أين؟ وبالكويت أربعة من المبشرين أسلموا، يذكرها، هذا هو الخطر الصليبي! يعني الخطر الصليبي ما سمعنا أحداً من المسلمين تنصّر، بالجزائر أكثف تبشير في العالم على الإطلاق كان في الجزائر طيلة حوالي (90) سنة، من سنة (1830) إلى سنة (1920) أكثف تبشير، المبشرون كانوا بالألوف، كم شخصا تنصّر طيلة التسعين سنة؟ أربعة لا أذكر أسماءهم لكنهم معروفين، فلان وفلان… أربعة، كم شخصاً من المبشرين أسلم؟ بالألوف، ومن الفرنسيين بالألوف، بعضهم رجع إلى فرنسا، وبعضهم بقي في الجزائر وأخذ جنسية جزائرية.

قصص طريفة في فشل التبشير والتنصير:

من الطرائف التي حدثت، شخص جزائري تنصّر وأصبح يعمل خوري بفرنسا، بقي عشرين سنة، بعد عشرين سنة يحق له يتقاعد، في الكنيسة، هذه أنظمة جديد لا أدري من متى؟ ربما من مئتين أو ثلاثمئة سنة، بعد عشرين سنة تقاعد، وعاد إلى الجزائر، وإذا به ماذا كان يعمل؟ كان يسرق الكنيسة، الأموال التي تدخل للكنيسة يسرقها، وإذا به يعود مليونيراً، ورجع مسلم، طبعا الإسلام لا يسمح بذلك، ولكن هو هكذا ظن، رجع مليونيرا ولديه عمارات وما إلى ذلك، وإذا به مسلم ولم يتنصّر في يوم من الأيام، هذه واحدة.

قصة ثانية، أحضروا بنات، كانوا يحضرون بنات فقراء من عائلات فقيرة، إلى مرسيليا، صغيرات، يدرسونهن بالأديرة، كلها نساء، أديرة راهبات، كان البنات ينمن ويأكلن ويشربن ويتعلمن، وبالصيفية يعدن إلى الجزائر عند أهلهن، حوالي شهرين أو ثلاث بالصيف ليس أكثر، وصلوا للثانوية وأخذوا شهادتها، وفي يوم التخريج جاءت الراهبة مديرة الدير والراهبات، ودعوا وزير التربية، ودعوا المحافظ، ودعوا شخصيات ربما منها رئيس الجمهورية، يعني دُعي حفل كبير جداً، من أجل أن يحضروا تنصّر البنات، وهم حوالي ثلاثين أو أربعين بنت أو أكثر.

حضروا، وهناك مسرح سوف يقفون فيه، صعدت البنات إلى المسرح، عندما أتى دورهم بعد ذلك، صعدن إلى المسرح، وإذا بهنّ يلبسن الحجاب الإسلامي، وقفن على المسرح، وبدأن بالتلاوة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم… قرأوا الفاتحة، كل المدعوين أصبحوا ينظرون إلى بعضهم! وانسحبوا، فهذه من الطرائف التي حصلت.

فالتبشير، عندما يضخّمونه لنا، ضخّموه وضخموه، بشكل كبير، ليصير الصراع بين المسلمين والنصارى، وليكسب الشيوعيون الفرصة، سواءً بالنسبة للمسلمين أو بالنسبة للنصارى، المسلم لم يعد يفكّر بالشيوعية، صار يفكر بالصليبية، وقد نجحوا نجاحا كبيرا. المسلم صار الآن، الصليبية، التبشير… دلني كم واحد بالأردن تنصّروا؟! أنا سمعت بواحد فقط كان شيوعياً، وتنصر على يد امرأة في أميركا، عشقها وكان بأميركا، وكان بالحزب الشيوعي، وهي طلبت منه يتنصّر، فتنصّر، ولما جاء إلى هنا تم ضربه، ولا أعرف إذا ترك هذه البلد أو أين ذهب؟

وزارني هنا عندما جئت، ثلاثة أو أربعة، من النصارى الذين أسلموا هنا في الأردن، زاروني سنة (1982) و(1983) و(1984) على فترات متقطعة، مسيحيين هنا في الأردن وقد أسلموا، فيعني قضية التبشير، عندما يقومون بضرب النصارى، فالمفروض أن النصارى سيفعلون نفس الشيء بأوروبا، لهم الحق، ما دمنا هنا، مثل ما حصل بأفغانستان، قبضوا على النصارى ووضعوهم بالسجن، واتهموهم بالبتشير، فالهدف أن يفعل النصارى نفس الشيء بأوروبا.

انقلاب الدخول الغربي في الإسلام إلى ارتداد عنه:

مع العلم، رغم أنه، كسل دعاة المسلمين هناك، وأنهم ليسوا على مستوى القضية، ومع ذلك يسلم ويدخل في الإسلام، عندما يدرسون الإسلام، المسيحيون، وخاصة ذوي الدرجات العلمية العالية، ذوي الفكر الناضج، يدخلون الإسلام عندما يدرسونه، لكن بهذا الأسلوب، قتلهم وما إلى ذلك، ما الهدف منه؟ طبعا طالبان كانوا مخلصين ولم يزالوا مخلصين، ولكن هناك الدعاية والشيوعيين مندسّون بينهم واليهود، يدفعونهم لهذا العمل، كي تحصل ردة فعل هناك، كي لا أحد يدخل في الإسلام، وقد نجحوا نجاحا كبير جدا.

لدي مجلة بالفرنسية، سنة (1982) ما بين (1973) و(1982) يذكرون عدد الفرنسيين الذين دخلوا في الإسلام، في هذه التسع سنوات، حوالي (200) ألف فرنسي، ربما الآن، أظن على الأقل نصفهم ارتد عن الإسلام ورجع، بعد أن جاء جماعة هؤلاء المجاهدين التكفيريين، فلان وفلان وفلان… وأبو محمد المقدسي، وغيرهم، وهؤلاء في مصر الذين قتلوا السيّاح، وأبو سيّاف، كفّروا الناس بالإسلام، وصارت هناك الردة عن الإسلام في أوروبا، والذين ارتدوا بعشرات الألوف، فهم يلعبون بنا لعبا، الشيوعية تلعب بنا لعبا.

[1] الكلمة هذه إضافة توضيحية، ليس في النص الصوتي.