عندما رآى جمال أن إسرائيل سوف تخسر كل شيء، لا توجد أي فائدة لها، فعلا إذا رجعت لم تستفد شيئا، قام بالاتفاق مع إنكلترا وفرنسا، سلم شواطئ سيناء على خليج العقبة، بعرض خمسة عشر كيلو مترا، سلمه للبوليس الدولي، هذه قال أنه اتفقوا عليه، وجزر تيران في باب المضيق سلمها للبوليس الدولي، جزر تيران وصنافير ولا أعرف البقية أسماءها، كانت بالأصل للسعودية، الملك عبد العزيز لم يكن عنده جيش، وهذه باب للبحر الأحمر، فأعطاها للملك فاروق، قال للملك فاروق أنت عندك جيش، تضع جيشك فيها، وتحمي خليج العقبة، هي على باب خليج العقبة هذه جزيرة تيران، تمنع السفن الإسرائيلية من دخول خليج العقبة، وفعلا استلمها الجيش المصري، بزمن الملك فاروق، الذي يقولون عنه خائن! ومُنعت أي سفينة تدخل إلى إسرائيل، أم الرشراش بقيت قرية كما هي، ومُنعت أي سفينة، لما جاء جمال عبد الناصر، صارت هذه مسرحية سنة 56، والاعتداء الثلاثي، وسلم البوليس الدولي عرض خمسة عشرة كيلو مترا من صحراء سيناء، على خليج العقبة، وسلم جزر تيران وصنافير للبوليس الدولي، تحولت أم الرشراش إلى إيلات، الآن خليج إيلات أو مرفأ إيلات، وصارت السفن الإسرائيلية تمر وتأتي، وفُتحت أسواق إفريقيا وآسيا أمام إسرائيل، وتحولت إسرائيل بعدها من دولة فقيرة إلى دولة صناعية أمامها أسواق إفريقيا وآسيا.

قصة الأستاذ في الكونغو والبضائع الإسرائيلية:

هنا قصة حدثت معي، اسمحوا لي أذكرها بشكل عابر، سنة 1962 ذهبت إلى الكونغو التي الآن اسمها زائير، البلجيكيين هم من سموها الكونغو، على اسم النهر الذي فيها، فيها نهر اسمه الكونغو، وصلنا هناك، وإذا كل البضائع إسرائيلية، صنع في إسرائيل!، كل البضائع، لا توجد هناك كماليات، كلها من الضروريات، إما أقمشة ألبسة أو أواني مطبخية، أو شي من هذا النوع، لا توجد كماليات، إذا وجد كماليات بالصدفة. وبأسعار رخيصة، حسنا، ونحن نعلم أنه خليج العقبة مغلق، لا أحد لديه خبر أنه مفتوح، ولا يوجد طريق لإسرائيل ليصل هناك إلا عن طريق الطيران، أو بالبواخر، من البحر الأبيض المحيط الأطلسي، تنزل على مرفأ على المحيط الأطلسي اسمه “بنانا”، من أجل ان تنتقل البضائع من الباخرة البحرية إلى باخرة نهرية، الباخرة النهرية تدخل بنهر الكونغو آخر نهر الكونغو السفن تسير فيه، تمشي السفن بنهر الكونغو، بآخره، حتى مرفأ اسمه “متادي” متادي تعني الصخور، ومن هناك تنقل البضائع إلى القطار، والقطار يوصلها، وهذه تكلف أغلى من الطائرة. وتُباع بأسعار رخيصة جدا!

تعجبنا، كيف يعني؟ هل هنا توجد معامل لإسرائيل؟! لكن مكتوب عليها صنع إسرائيل! سألنا، واذا يقولون لنا تأتي بالبواخر رأسا من خليج العقبة! قلت كيف من خليج العقبة؟! وإذا جمال عبد الناصرسلم خليج العقبة كله للبوليس الدولي، وإذا البواخر الإسرائيلية صارت تأتي فورا، من خليج العقبة على المرافئ الإفريقية، تفرغ فيها، أذكر تلك السنة في الصيف، في العطلة الصيفية جئت إلى دمشق، أول دعوة كان دعاني أحد أصدقائي اسمه وحيد عوض، مجتمعين كنا حوالي ثلاثين شخص أو أكثر، بعضهم توفي رحمه الله، رحمهم الله جميعا الذين توفوا، الآن أعرف واحد أو اثنين توفوا، والبقية لا أعرف.

عندما أخبرتهم هذه القصة تلك الليلة أصبحت مضحكتهم! “إيه محمود… كل هذه الدنيا لم يعرفها أحد غيرك؟! عدلها قليلا! كيف جمال عبد الناصر سلم خليج العقبة لإسرائيل ولم يعلم أحد؟!” وتلك الليلة ضحكوا مني كثيرا، بعد شهر تأكدوا منها، صاروا يسألون هنا وهناك، وإذا كانت إذاعة الأردن قد أذاعتها وإذاعة السعودية أذاعتها، والناس يسبوها، يسبون الأردن ويسبون السعودية “أبوكم كفار…”، فهذه من قصص جمال عبد الناصر.